الرئيسية » أراء و أقلام » القبض على ساعة عمر.

القبض على ساعة عمر.

استقبلني الشارع صباحا في يوم عطلتي الأسبوعية ، وأنا لا أدري سبب خروجي المفاجئ . لكني كنت واثقا من هاجس ضيق حصتي من النوم الليلية ، فقررت القبض ساعة من عمري تم نقصانها اليوم كرها من دورتي البيولوجية. في  تيار زحام مضن يصيبني عرقا وتبللا، وجدت نفسي بالإكراه  منخرطا فيه بالسعي دون تلبية ولا ترديد لازمة معلومة.  كل الوجوه التي صادفتها لا ألوي البتة على معرفتها . فيما تنافر الأفكار المتلاحقة بالتشتت تربك مسيرتي المتأنية بعلامات قف للأجساد. وفي لحظة ضاربة السرعة قررت سحب وجهي من الأرض والنظر إلى السماء،  وإلى الأقنعة البشرية المتلاحقة بتضاد الاتجاه حينا آخر. لكن، لله الأمر حتى السماء اليوم عاكستني بتلبد أفق بريقها إلا من نزر قوس شعاع نور ضاق حجم خيطه ولم يتمدد إلينا جميعا بالتساوي.

جميع الوجوه القادمة تراءت لي مقنعة بالتخفي، لا أعلم سبب حكمة تلك التصورات التهيئية.  أهي أقنعة منعكس حالات التردد التي تنهك حياتي طولا ، أم هي ماذا ؟ أهي أقنعة لعبة اليوم وغدا هو في شأن؟ أهي أقنعة الإحساس بتنامي زمن البعد وكبر حجم التفكير في المآلات ؟. كل أحلام الماضي صارت سرابا، كل أحلام المستقبل تتكبل بالمباركة الجبرية والانحناءة المقوسة بالرضا. في حين لحظة خاطفة، وعيت أن اختلاق الأفكار المشحونة بالأزمات المتلاحقة بالتناثر، هي من شوهت خانة رؤية  العين وألبستها تلونات حرباء ذكية، هي من صنعت لكل الوجوه أقنعة التخفي ومنحتهم سلطة استبدال كراكيز أشكال الوجوه، هي من جعلت السماء تتوارى وراء سحب لا ممطرة .

أحلامنا تزن الجبال رزانة ، هي الخاصية البشرية غير المعممة بيننا بالتساوي والعدالة. بين حلم اليقظة الذي يقض مسيرة حياة عمر ويجعل من أرشيف الحياة حملا ثقيلا . و بين حلم نوم  نخاف جهل الجن فيه علينا وممارسة أسطوانة حلم كوابيس ليل بالأبيض والأسود.

في ظل فسحة امتداد التفكير المنطقي، وانفكاك كبة نحل الزحام،  يتم تخطي مساحة تماثل وجوه الأقنعة المغلفة بالمرموز والتمييز بينها بالوضوح الفاضح. تشعب شوارع الحياة و المدينة تضيق بالتساوي وتتمدد مرات عديدة ، تنفرج بالمتسع الحافل بالأفق الرحب ووحي حياة الأمل. فيما مسلك الاختيار الجنوني بين النار والجنة صعب أن تجد منطقة وسطى بينهما و تحتمي فيها هروبا و أمنا.

جميعا، مرات عديدة يركبنا التفكير السلبي والايجابي ويشتد وطيس الحرب الداخلية بينهما. لماما ما ينتصر وجه الخير الدائري على مثلث الشر بسهامه الحادة الموثقة في صورة حواء وآدم والشيطان التي كانت عمتي رحمة الله عليها تعلقها على حائط غرفة ضيوفها بالاستقبال. لكني اليوم سئمت وسلمت روحي الداخلية من كل شاشات أفلام المعارك الخاوية، سلمت روحي حين انزوت جانبا ورميت بجسمي متهاويا على حائط منزل قديم أحدب. كان دخان السيجارة الأخيرة من العلبة الشقراء يرسم دوائر علوية متموجة كرهانات حياتي غير الثابتة، سلمت روحي حين قررت نار السيجارة الخمول بين أصابعي ببرودة و إعلان زمن انطفاء شعلة الحياة. ألقيت نظرة أسف على آخر سيجارة شقراء خلقت لتحترق وتبعث نشوة صغرى في النفوس المقهورة بضربات معاول صدام الأفكار. ألقيت بها أرضا حين انتهت مدة صلاحيتها بالاختيار الانتحاري. فيما سلطة التفكير تتبعها إلى مثواها الأخير. تفكير تناسل عبر أسئلة مستفزة تقارن بين مسار سيجارة وحياة ، تفكير أزاح صورة المعادلة إلى انسيابية الحب حين يتم استهلاكه وينفذ بالنضوب مرحلة تلو أخرى.

أف ، وألف أف على كل أدخنة الحياة الملوثة ، لعنة على كل تعبئة حب غير مضاعفة بالشوق و الأمل، تعبئة تنفذ بالسرعة النهائية مع كل الأحداث المميتة والمحدثة. آخر نفس من دخان السيجارة الذي كان يسكن صدره ارتأى أن ينفثه بالتروي وتمديده يمينا وشمالا، والتأني في تطييره  بخلق لحظة تفكير، أهي عملية معاودة الإحساس بالنشوة ؟، أم هي معاودة الكرة وإدمان استهلاك نار الحياة؟.

حين خرج من دائرة عمره الليلي واستيقظ من سهو نومه، كان ينوي القبض على ساعة تنقص بناء حياته ، لكنه  أحس أن الأمل شد الطريق السيار بالابتعاد والسرعة الحامية، وخلق المسافات وأرفقها بمسوغات الذات والآخر. أحس أن البدايات الوردية  ربيعها لم تمهله أشعة الشمس الحارقة من التعجيل بزوال فضية فترته الموسمية. لكنه ابتسم، حتى أن من مر بمحاذاته  حسبه استفاق من نشوة طفحة خمارة ليل. ابتسامته أرجعته إلى صورة الحبيبة التي تسكنه جهارا، إلى روحها المرحة وابتساماتها بأمل سعد الحياة الآتي بالصبر ولو بمجهول مكان توقف علامة الفرح، إلى دمعتها الساقطة من كل الآهات المتلاحقة على ذاتها وحياتها. فكر ثم قدر،  فلم  يجد إلا حبا يزيد شدة من الابتعاد، حبا يتقوى من تغذية تجربة حياة علمته أن لا يتجنب حب النساء.

ذ/ محسن الأكرمين mohsineelak@gmail.com

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*